عماد الدين خليل
279
دراسة في السيرة
الآية وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ « 1 » ، فلما فرغ جبريل من تلاوة الآية قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إني أخاف بني قينقاع ، وسار لقتالهم « 2 » . ومهما كان الأمر فإن يهود بني قينقاع قد تحدوه صراحة سواء في أقوالهم وحربهم النفسية ، أم في مواقفهم وأعمالهم ، حتى أن الواقدي يذكر أن بني قينقاع اجتمعوا على الرجل فقتلوه « ونبذوا العهد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وحاربوا وتحصنوا في حصنهم » « 3 » . ومن ثم يبدو تهافت ما ذكره ولفنسون من أن الأسباب التي حملت النبي على البدء بمحاربة بني قينقاع - من بين جميع اليهود - ترجع إلى أن بني قينقاع كانوا يسكنون داخل المدينة ، في حي واحد من أحياء الأقوام العربية ، فأراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يطهر المدينة وأحياء الأنصار من المشركين ومن جميع من يخالفون دينه ، وغني عن البيان أن بني قينقاع كانوا أغنى طوائف اليهود في يثرب . . ثم كان عددهم غير كثير ، فكان من السهل مقاتلتهم واستئصال شأفتهم « 4 » . لم يقف الرسول صلى اللّه عليه وسلم ساكتا إزاء تحدي بني قينقاع ، وهم ينقضون صراحة بنود الدستور ، ويثيرون فتنة كان الدستور قد أكد على معاقبة مرتكبيها واعتبارهم ناقضين للعهد ، ومن ثم فرض الحصار على حصونهم الواقعة داخل المدينة ، في شوال من السنة الثانية للهجرة ، وقد استمر الحصار خمس عشرة ليلة وانتهى بنزول اليهود على حكم الرسول الذي قضى بإجلائهم عن يثرب إلى أي مكان يشاؤون « 5 » ، دون أن ينزل أية عقوبة - أخرى - بهم ، كي يجيء حكمه بمستوى الجرم الذي اقترفوه . وبخروجهم إلى أذرعات من بلاد الشام تخلص المسلمون من واحدة من القبائل اليهودية الرئيسية الثلاث المنتشرة - منذ زمان بعيد - داخل المدينة وخارجها ، فازدادت وحدة المدينة تماسكا ، وازداد اليهود ضعفا . ويظهر أن إجلاء بني قينقاع كان له وقع عظيم في نفوس اليهود ، فقد امتنعوا في أعقاب ذلك عن المجادلة الدينية ، وكفوا عن رمي المسلمين بقوارص الكلم ، ودخلت
--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 58 . ( 2 ) الطبري : تاريخ 2 / 480 ، ابن سعد : طبقات 2 / 1 / 19 . ( 3 ) المغازي : 1 / 177 . ( 4 ) تاريخ اليهود : ص 128 . ( 5 ) ابن هشام ص 171 - 172 ، ابن سعد 2 / 1 / 19 - 20 ، الواقدي 1 / 177 - 180 ، البلاذري : أنساب 1 / 309 ، ابن الأثير : الكامل 2 / 138 - 139 .